الأربعاء، 2 ديسمبر 2020

الشهيد عباس المسعدي

شهداء....وشهيدات: الشهيد عباس المسعدي: زوجة عباس المساعدي تكشف "لغز" اغتيال قيادي جيش التحرير هسبريس من الرباط الأحد 29 يونيو 2014 - 00:05 تخليدا للذكرى 58 لا...

تحقيق: قائد جيش التحرير عباس المسعدي من يكون؟ حيثيات اغتياله؟ كيف ولماذا؟ من اغتال الشهيد؟

كثر الحديث مؤخرا و خاصة بعد صدور الكتاب “عباس المساعدي، الشجرة التي تخفي غابة جيش التحرير…”،  لمؤلفه محمد لخواجة، و إثارة اسمه في مذكرات احرضان، و التهم المتبادلة علانية حول من يقف وراء اغتياله.

و من دواعي الغيرة على ذلك الرجل الكبير و تاريخه الكفاحي و دوره البارز في قيادة جيش التحرير في الشمال الشرقي للمغرب و بحثا عن الحقيقة، أجرينا تحرياتنا حول عائلة الشهيد و تمكنا من الإلتقاء بها  شهر مارس الماضي. و تحدثنا معها مباشرة حول شخصية عباس المساعدي و حيثياث اغتياله كيف؟ و لماذا؟ و من كان وراء اغتال الشهيد؟

عباس المساعدي و الريف

يعد عباس المسعدي من ابرز مؤسسي جيش التحرير و قادتها إلى جانب الصنهاجي و آخرين. قبل التحاقه بالريف كان مناضلا بارزا بالدار البيضاء مما كلفه حريته اذ اعتقل لمدة تفوق 22 يوما سنة 1953 و عذب عذابا اليما من طرف القوات الاستعمرارية الفرنسية.

شجاعته و صموده ابهر جلاديه كما أثار إعجاب و اعتزاز رفاقه لاسيما منهم الشهيد محمد الزرقطوني و ابراهيم الروداني.

غادر عباس الدار البيضاء في اتجاه جبال الريف بعد ان اقتنع بان لا خيار لإيجاد اسراتيجية بديلة لمواجهة المحتل الغاصب تعتمد على حرب تحرير طويلة النفس و ضرورة تنظيم الشعب في الجبال و البوادي لاستنزاف قوات الاحتلال.

قرر عباس الالتحاق بجبال الريف وفلاحيه الفقراء ليستقر نهائيا بين أبناء الريف الكبير، ليربط مصيره بمصيرهم في بناء جيش تحريرا لشمال والأطلس المتوسط من أجل إنجاز استقلال حقيقي للمغرب.

عباس جاء تاركا المدينة وماكريها بعد إقصاءه من طرف هؤلاء  من قيادة المقاومة المسلحة بالدار البيضاء مباشرة بعد اغتيال الشهيد الزرقطوني احد ابرز قادة جيش التحرير بالبيضاء.

وصل عباس المساعدي في 5 يوليوز1955 إلى الريف الشرقي حيث وجد هناك رجالا مسلحين شبه منظمين في مجموعات صغيرة لدى اغلبيتم تجربة قتالية مهمة اكتسبوها إبان فترة مقاومتهم  للاستعمار الاسباني بزعامة محمد بن عبد الكريم الخطابي. كما لمس عند أغلبيتهم حساسية كبيرة اتجاه حزب الاستقلال و قيادته التي وقعت اتفاقيات إكاس ليبن ضدا على إرادة جيش التحرير و غالبية الشعب المغربي.

بعد التحاقه بالريف احتك سريعا بالسكان الريفيين وتعلم لغتهم كما شرع في بناء التنظيم على خط الجبهة الممتدة من قبائل أيت يزناسن ،أيت  صغروشن ،أيت وراين  مرورا بالناظور ومثلث الموت مرنيسة ومطالسة. و اتخذ عباس من الناظور المقر المركزي لقيادة جيش التحرير.

فبالإضافة إلى تشنج علاقته عباس المسعدي ببنبركة، فان ديناميته و حركيته المتواصلة و سفرياته المتعددة و التقائه بزعيم الثورة الريفية محمذ بن عبد الكريم الخطابي في القاهرة عجلت إعلان ابتعاده وبالتالي تقديم استقالته من حزب الاستقلال وذلك بالضبط يوم 16 ماي 1956  (وثيقة رسمية).

لعنة المكر هذه  لحقته  وإطالته حتى في الريف من مليشيات تابعة لحزب الاستقلال التي كانت تريد إلحاق  جيش التحرير بالشمال الشرقي بحزب الاستقلال و لو  بالقوة.

عباس رفض ذلك العرض ولو تحت تهديد السلاح معتبرا تلك الجماعة بالكارثة، إذا سيطرت لوحدها على المقاومة ومن ثم السلطة.

و عند تعاظم دوره وشأنه تم تصفية عباس المساعدي في 27 يونيو 1956 ، وهذه المرة ليست من طرف قوات الإحلال بل من طرف بل بنيران “صديقة” التي نفذت عملية الاغتيال في واضحة النهار. و  للإشارة فان هذا الاغتيال جاء سياق الحملة الواسعة من الاختطافات و الاغتيالات التي شهدها شمال المغرب ككل شهري مايو و يونيو 1956 و التي زج بمناضلين بررة في المعتقل السيئ الذكر “دار بريشة” و التي أشرفت عليها عصابات حزب الاستقلال.

عائلة عباس المساعدي

عباس المساعدي لم يكن يوما “مقطوعا من الشجرة”، كما يضنه الكثيرون، بل كان وراءه رجال أحرار يحبونه و يحبون المغرب و المغاربة، و كذا زوجة من طينة ناذرة، تحبه و لازالت تبكي على فقدانها له رغم مرور  58 سنة على اغتياله.

زوجة كغير الزوجات، مخلصة، وفية، صامدة، ثابتة رغم تقدمها في السن. امرأة مجاهدة جربت سجون الاستعمارين الفرنسي و الاسباني. رفضت الزواج بعض اغتيال زوجها الشهيد عباس، و تفرغت طوال حياتها لتربية ابنيها و تكلفت بدراستهما حتى أصبح ابنها خليل (الابن الوحيد لعباس المساعدي) من ابرز المهندسين بالدار البيضاء اليوم.
لا نريد الدخول في تفاصيل العائلة احتراما لحرمتها، لكن ما يهمنا في هذا الموضوع هو كيف تنظر هذه العائلة إلى عباس المساعدي و إلى تاريخه الكفاحي و القتالي و إلى اغتياله و قاتليه؟

يضل عباس المساعدي  الخبز اليومي لعائلته الصغيرة. أم (زوجة عباس) ذكية متعلمة تتحدث على عباس المساعدي بكثير من الفخر و تصفه بأنه “كان خليفة لعبد الكريم الخطابي في الريف”، على حد تعبيرها بكثير من الحسرة. إنها فقدت فيه كل شيء الرجل الإنسان و الزوج و رفيق الكفاح الذي أحب وطنه المغرب و شعبه حب الجنون حتى يوم اغتياله.

ابنه خليل المساعدي، اغتيل أباه و هو طفلا صغيرا جدا لا يتجاوز عمره آنذاك 7 أشهر فقط من عمره. بالرغم من ذلك، فيتبين أن له دراية كبيرة بملف اغتيال أبيه و يعرف عنه كل صغيرة و كبيرة و دون كل شيء في ذاكرته حول أبيه. و جمع أهم الوثائق بما فيها الرسمية (كبيانات جيش التحرير و مراسلات أبيه و وثائقه الشخصية ). ابن ثابث رزين مثقف و حذر يعرف ما يقول و انه لا ينطق عن الهوى.

خليل المساعدي متزوج بامرأة محترمة، يبدو أنها مثقفة جدا تابعت الحوار الذي أجريناه مع العائلة بتأني لم تنطق إلا قليلا، لكنها لم تتدخل في تفاصلي الحوار. لهما ابنين ذكر و أنثى. الولد سماه ب “عباس” وفاء و امتنانا منهما للشهيد عباس المساعدي.

عباس الحفيد شاب يافع ذكي يحترم الضيوف و يخاطبنا ب “عمي”. كان يسمع بهدوء استجوابنا لجدته غيتة و أباه خليل. فخور بانتمائه إلى عائلة المساعدي. شاب حركي كأبناء جيله مهووس بعالم الإعلاميات و دروس الروسية.
حضر اللقاء أيضا أخت خليل من أمه و زوجها بناني اللذان تابعا أطوار  الحوار بحذر و ثبات و كثير من الثقة في النفس.

الجلسة مع العائلة كانت مطولة و دارت حول مختلف حيثيات اغتيال عباس المساعدي.

استقبلتنا عائلة المسعدي بحفاوة كبيرة و احتضنتنا كما أنهم يعرفوننا منذ زمان فبالرغم من الحذر (الذي هو أمر طبيعي في مثل هذه الحالات. و خاصة أنهم عائلة ليست كالعائلات نضرا لانتمائها لرمز من رموز الكفاح الوطني في المغرب)، لكن سرعان ما وضعت فينا ثقتها الكاملة و فتحت لنا صدرها و بدؤوا يتحدثون إلينا بتلقائية مع و ضع النقاط على الحروف طبعا.

شهادة السيدة غيتة المساعدي (زوجة الشهيد عباس المساعدي)

سنقتصر في هذا المقال الأولي/ أو ما يمكن أن نسميه ب”إعلان اللقاء مع عائلة عباس المساعدي”، على رواية غيتة المساعدي/ زوجة الشهيد عباس و شهادتها حول زوجها و كيف عاش وكيف تم تصفيته و من هم المتهمون؟
غيتة من مواليد  فاس و أباها كان عالما في القروين، و مقاوما حرا، و أجدادها من مدينة الشاون (من بينهم الكورونيل علوش الذي تم تصفيته إبان أحداث الصخيرات سنة 1971).

تحكي غيتة بان زوجها كان مطاردا من طرف السلطات الاستعمارية الفرنسية و سبق أن تم اعتقاله  عدة مرات من طرف السلطات الاستعمارية. مما جعله يتوجه إلى الريف ليتخندق في جبالها الشامخة و يعيش بين أبنائها، بعد أن احتضنه أبناء الشمال بصدر رحب. فبعد تركيست و  تطوان استقر عباس المسعدي سرا بالناضور و نواحيها. كان يتقن اللغة الريفية و يخاطب المقاتلين بالريفية و هو من أصول سوسية.

وجد عباس ضالته في الريف لتنظيم المقاومين هناك. و بغية الحاق غيتة بزوجها (عباس)، أرسل لها هذا الأخير مقاومة  اسمها “فاطمة التاغزوتية” إلى فاس و في خضم رحلتهما الصعبة  إلى الشمال عبر جبال الريف اعتقلتهما السلطات الفرنسية وقضتا (غيتة و المقاومة فاطمة التاغزوتية) شهرين في سجون  الاحتلال وبصمودهما جعلتهما تنجوان من حكم كان قد يكون قاسيا.

كانت غيتة المساعدي تحمل اسما حركيا و هو “خديجة” و كذبت على المحققين مصرحة لهم بأنها كانت مجرد خادمة عند عائلة في فاس (تقصد عائلتها). و ا ن أهل فاس كثيرا ما يغيرون أسماء شاغلتهم. مما جعلتهما تخرجان من السجن بالبراءة دون أن يتنبه الجيش الفرنسي أن غيتة كانت هي الزوجة الشرعية لقائد جيش التحرير بالشمال عباس المسعدي.

و بعد خروجهما واصلا طريقهما إلى تاركيست (مقر سكنى عباس آنذاك)، لكن تم توقيفهما مرة أخرى  من طرف السلطات الاستعمارية الاسبانية عند الحدود الفرنسية الاسبانية (الحدود التي رسمها المستعمرين الاسباني و الفرنسي في المغرب) لكن هذه المرة لم يقضيا إلا ليلة واحدة الاسبانية و أطلقت سراحهما بعد تدخل احد المقاومين له صلة مع عباس على حد تعبيرها.

أخيرا غيته تمكنت هذه المرة من التقاء زوجها، بطل جيش التحرير في تاركيست (و بكت كثيرا بفرحة لقاء زوجها. فرح الممزوج بالخوف من جراء المصير المجهول الذي كان  ينتظرهما).

عباس أخد زوجته إلى تطوان و بعد أيام قليلة عاد إلى الريف الأوسط و بالضبط في مدينة الناضور للاستقرار هناك في بيت سري جدا، بعيدا على أعين السلطات الاستعمارية الاسبانية و العملاء.

غيتة تحكى كيف كان تساعد زوجها و أعضاء جيش التحرير و كانت إلى جانب نساء ريفيات أخريات تحضرن بسرية الخبز و المأكل لعشرات المقاتلين من جيش التحرير.

تروي غيتة قصة الباخرة “دينا” التي أفرغت سلاحها يوما في شواطئ الناضور و كان جزءا من ذلك السلاح مخبأ في المنزل الذي تقطنه.

شخصية عباس المساعدي

تصف غيتة زوجها بأنه كان طويل القامة قوي الشخصية شديد الصرامة مع خصومه كثير الحركة و السفر.
تحدثت على خطاباته القوية الموجهة لأعضاء جيش التحرير و قدرته الفائقة على التأقلم مع المتغيرات السياسية و التنظيمية. كما تحدثت عن سفرياته و خاصة سفره إلى مصر و التقائه بمحمد بن عبد الكريم الخطابي و بصراعه المعلن و العلني مع المهدي بن بركة.

العلاقة ببن بركة

تصف علاقة عباس بالمهدي بالمتوترة جدا. فذات يوم فعباس انزل المهدي من منصة في اكنول عندما كان يخاطب أعضاء  جيش التحرير وخاصة بعد أن  أراد أن يربط في خطابه جيش التحرير بحزب الاستقلال. بل و صل به الامر إلى توجيهه صفعة   للمهدي أمام الملا.
كما سبق لعباس أن اعتقل المهدي. و تم الإفراج عنه بعد تدخل بعض قادة حزب الاستقلال. كما تحدثت على طرد المهدي بن بركة من اجتماع انعقد بمدريد أمام أعين علال الفاسي، معتبرا “أن المهدي كان ضد المقاومة المسلحة و لا علاقة له بجيش التحرير”.

عباس المساعدي و السرية

من خلال البحث الذي اجريناه يتضح بان محمد المسعدي (اسمه الحقيقي)، كان يحمل عدة اسماء حركية و عدة بطائق هوية و جوزات سفر و هذا ان دل على شيء فإنما يدل على ان محمد المسعدي (عباس) كانت شخصية عالمية و يتمتع بعلاقات مهمة في الداخل و الخارج، بحيث كان يتحرك بسبعة اسماء اهمها: محمد بن عبد الله و محمد بنطاهر، و حسين بنعلي، و عبد الواهب الصفريوي…، كما كان يمتلك ثلاثة جوازات سفر مختلفة من بينها جواز السفر الذي استلمه من مصر و الاخر من يوغسلافيا تيتو … و زار عدة دول كالجزائر و تونس و مصر و اسبانيا و ايطاليا… 

لقاء عباس المساعدي بعبد الكريم الخطابي

عباس المسعدي زار القاهرة و التقى بالقائد و الأب الروحي للثورة الريفية محمد بن عبد الكريم الخطابي و وقف عبد الكريم لتحية عباس و قال لعباس “كيف لا أقف لأحيي خليفتي في الريف” على حد تعبير غيتة الزوجة.

السلاح

تتذكر السيدة غيتا إن السلاح كان يأتي إلى جيش التحرير من مصر بحرا و شيكوسلوفاكيا (عبر روما). تحدت غيتا عن باخرة “دينا” المملوءة بالسلاح التي قدمت  من مصر و التي أفرغت حمولتها بشواطئ الناضور. أما الباخرة الثانية فتم إلقاء القبض عليها و حجزها من طرف السلطات الاستعمارية الفرنسية بالجزائر و هنا تتهم العائلة مباشرة احد قادة حزب الاستقلال بإخبار السلطات الفرنسية بالموضوع.

حكاية الباخرة الثانية

بالنسبة لغيتا المساعدي بان كل شيء تغير بعد التقاء عباس المساعدي بعبد الكريم الخطابي بالقاهرة. فمنذ ذلك التاريخ رفض المصريون تسليم المساعدات لعلال الفاسي، و قرروا التعامل مباشرة مع عباس المساعدي، مما دفع بعض الاستقلاليين و تذكر اسم “بلافريج” بالاتصال بالسلطات الفرنسية لإخبارها بقدوم الباخرة الثانية المحمولة بالسلاح من مصر، مما أدى إلى احتجاز الباخرة المصرية و طاقمها المصري عند عبورها للشواطئ الجزائرية.
تحدث غيتا عن اجتماعات جيش التحرير وحزب الاستقلال كانت دائما تنتهي بالتشنج و انعدام الثقة. فمثلا في تجمع اكنول عباس سيطرد المهدي بن بركة و تكرر نفس الأمر في اجتماع بمدريد.

حول اغتيال عباس المساعدي

تعترف غيتا المسعدي أن اغتيال المساعدي جاء في إطار الأجواء المشحونة التي صاحبت “استقلال المغرب”. كما تعترف بأنه كان هناك تحريض معلن من طرف بعض قادة حزب الاستقلال ضده. فمثلا تقول بان يوما كان لعباس المسعدي لقاءا مع الملك محمد الخامس في قصره. لكن قبل وصوله سبقه علال الفاسي وحذر الملك من عباس و قال له “رد بالك من عباس انه جمهوري”. و عند عودته إلى المنزل قال عباس لزوجته” أتعرفين ما قاله بولحية (يقصد علال الفاسي) لبطربوش (يقصد محمد الخامس)؟

قالت له ماذا؟

قال لها بان في لقائه مع محمد الخامس قال له هذا الأخير بان علال الفاسي  حذره منه و قال له “رد بالك من عباس، انه جمهوري”.

بالنسبة لعائلة عباس بان ليس هناك أدنى شك بان عباس المساعدي تم تصفيته من طرف بعض قادة حزب الاستقلال و تستند إلى عدة معطيات أبرزها العلاقة المتوترة جدا بين المهدي بن بركة و عباس المساعدي. بل تقول بان المهدي و من معه (تذكرهم بعضهم بالاسم) هم من خططوا مؤامرة الاغتيال من ألفها إلى يائها.
و تقول العائلة بان المسمى الغزاوي (مدير الأمن لدى المهدى بن بركة هو الذي أعطى أوامر تصفية عباس المساعدي).

قبر عباس المساعدي

عباس المسعدي تم دفنه في المرة الأولى في فاس، و بعدها تم إعادة دفنه من طرف أعضاء جيش التحرير (دون إخبار السلطات) في اكنول و قبره يوجد إلى يومنا هذا في اكنول بالريف.

خلاصة أولية

يمكن اعتبار ملف الشهيد عباس المسعدي من اخطر ملفات الاغتيال السياسي بالمغرب ويعد ملفا ملغوما وخطيرا بكل ما تعني الكلمة من معنى، يصعب الوصول لخلاصات حاسمة بالسهولة المطلوبة. و هذا ما يتطلب تعاملا حذرا مع الموضوع و العمل على جمع كل المعطيات و الشهادات. نعتبر أن شهادة العائلة ليست مهمة فحسب بل ضرورية و حاسمة في العديد من جوانب الملف، لكن لا يمكن أن نعرف الحقيقة الكاملة حول جريمة اغتيال عباس المسعدي، إلا بعد أن يتكلم القتلة الأحياء منهم و الموتى و رفع الدولة يدها عن سرية الملف.
إن الدولة تعرف كل الأسرار فهي التي تبقى عاجزة إلى يومنا هذا أن تصرح بأسماء القتلة و من يقف ورائهم و تقديم الأحياء منهم إلى العدالة لترتاح العائلة و نرتاح معها نحن جميعا.
العائلة متيقنة من أن القتلة هم بعض قادة حزب الاستقلال و من خلالهم كل من كان لهم مصلحة في تصفية جيش التحرير.

الحسن الثاني (ولي العهد آنذاك)  تعاظمت نفوذه .  يصعب تحديد دوره في ذلك الاغتيال/الجريمة، لكن حضوره كان لافتا إبان فترات التحقيق و الإفراج عن القتلة بل علاقته مع أستاذه المهدي بن بركة كانت عظيمة آنذاك.
هل كان في على علم بخطة اغتيال الشهيد المسعدي؟ سؤال يحير العائلة لكنها متأكدة بان الحسن الثاني كان يعرف كل شيء حول الحدث المؤلم و لم يقم بأي شيء لمعاقبة القتلة؟؟؟؟؟

هذا السؤال يبقى مفتوحا و لا جواب عند العائلة حول الموضوع….

العائلة ضلت صامتة إلى يوم زيارتنا. فبعد التقائنا بها، خرج خليل المسعدي لأول مرة عن صمته و أجرى حوارا مطولا مع جريدة المساء. كرر فيه نفس الحقائق التي عبر عنها إبان لقائنا.

الموضوع يستحق أكثر من مقال و يتطلب بحثا دقيقا مفصلا و استجماع كل المعطيات و الشهادات الممكنة و خاصة من الذين عاشروا و عايشوا عباس.

الزعيم اليساري بنسعيد ايت يدر الذي يحترمه العديد من المغاربة إلى يومنا هذا (و الذي نكن له كل الاحترام و التقدير)، متهم اليوم علانية من طرف عائلة المسعدي بالتورط في اغتيال عباس المساعدى. نعتقد انه أنه الأوان لكي يدلي هذا الرجل بشهادته كاملة حول الموضوع و بكل تفاصيلها و يفصح عن كل ما يعرفه حول هذا الملف بعيدا عن “قوالب السياسة”، لكي لا يدينه التاريخ و يسيء لنفسه و يسقط من عيون الكثيرين، و خاصة أن الرجل متهم اليوم ليس من طرف احرضان  بل من طرف عائلة الشهيد نفسها.

و فيما يخص هذا الأخير (احرضان)، فعائلة المسعدي تنفي أن يكون لهذا الرجل أي دور في جيش التحرىر و أما الخطيب فقصة أخرى…..

و لنا عودة الى الموضوع……

تحقيق و تحرير: سعيد العمراني و جمال الكتابي



هل كان الفاخري مدبرا ل"أول محاولة انقلابية" على الحسن الثاني سنة 1959؟

 

بنحمو الفاخري.. قصة أول حُكم بالإعدام في المغرب وأول تنفيذ له رميا بالرصاص

عندما رحل عن الحياة، لم يقو أحد على نعيه لأنه كانا مغضوبا عليه. لا أحد إلى اليوم، يعلم مكان قبره. ولا أحد من الذين كانوا يحجون إلى مقر إقامته الفلاحية خارج الدار البيضاء، كان قادرا على أن يطرح السؤال.. بنحمو الفاخري، أول شخص حكم عليه بالإعدام رسميا وعبر المحكمة في المغرب، وأول من نُفذ فيه الحكم أيضا. مسار حياة شديدة الغموض وكثيرة التقاطعات وقصص تستحق أن تُروى. انطلق من درب غلف بالدار البيضاء وأسس فريقا لكرة القدم كان ينافس بشراسة، وتواجه مع فريق الجيش الملكي الذي كان يديره الحسن الثاني منذ أن كان وليا للعهد. كان وراء إدماج أسماء كثيرة في الأمن والدرك والإدارات العمومية، وكان سببا وراء ترقية آخرين. كل هذا بفضل علاقته الجيدة مع الملك محمد الخامس. كل شيء انتهى عندما اتهم بتقليل الأدب أمام الحسن الثاني، في مباراة بين الجيش الملكي ونجم الشباب البيضاوي. اختفى بنحمو الفاخري وتوارى عن الأنظار، اعتقل سنة 1962 ونُفذ فيه الحكم في 24 يناير من السنة نفسها.

من بيع الفحم بدرب غلف إلى العقار وإدارة أحد أشهر فرق الكرة بالمغرب
تلمس أولى خطوات الدنيا في درب غلف بالدار البيضاء. كان طفلا يافعا خلال نهاية ثلاثينات القرن الماضي، يمضي يومه متنقلا بين درب غلف حيث العائلة وبين المعارف، حيث كانت أسرته تدير محلا بسيطا لبيع الخشب والفحم. لقب «الفاخري» جاء من هنا بالضبط، من حرفة العائلة التي لن تفارقه، حتى بعد أن أصبح من الأسماء المعروفة في المغرب، ليس فقط في عالم الرياضة وكرة القدم، ولكن في عالم المال والأعمال أيضا.
لم يسطع اسمه في «درب غلف» من فراغ، فقد كان صيته نابعا من مكانة أسرته في الحي، لكنه تعزز أكثر في شبابه عندما صار على رأس خلية من الشبان الذين يناوشون الوجود الفرنسي في الدار البيضاء، ليضمن لنفسه مكانا في لائحة الذين سُجلوا في ما بعد مقاومين ضد الوجود الفرنسي في المغرب.
لكن ما لم يفهمه أصدقاؤه، هو كيف أنه كان مطلوبا لدى السلطات مدة قصيرة بعد حصول المغرب على الاستقلال، خصوصا أنه كان من الذين سلموا أسلحتهم إلى الدولة سنة 1956، ولم يكن من الذين رفضوا الانصياع للتعليمات، حتى أنه كان من أوائل الذين استقبلهم الملك محمد الخامس، في القصر الملكي، لتحيته بعد عودته من المنفى بمدة، وأيضا لتهنئته بعد حصول المغرب على الاستقلال.
لنعد إلى شباب بنحمو الفاخري، لأن تلك المرحلة كانت فارقة في حياته. السمعة التي حازها كانت في البداية بفضل اشتغاله على رأس خلية من خلايا المقاومة بمدينة الدار البيضاء، لكن ما سيجعل نجمه يسطع هو تأسيسه لفريق نجم الشباب البيضاوي. الكرة كان لها سحرها لتمنحه شهرة واسعة وشعبية كبيرة، أقلقت الذين كانوا يعدون أنفاس المواطنين في ذلك الوقت.
الفاخري كان عنيدا بشهادة الجميع، وهذا هو السبب الذي جرّه إلى كل المتاعب التي عاشها في حياته، وستعيشها أسرته بعده.
تقول بعض الروايات التي روجها عنه معاصروه، إنه كان يكره السياسيين كرها كبيرا، وكان يعتبرهم أناسا عاجزين تماما عن التأثير في حياة الناس، وأنهم ليسوا إلا بائعي كلام في الجرائد، بعيدين كل البعد عن واقع حياة الناس.. الحياة التي جاء منها بنحمو الفاخري علمته أن يقرب منه مواطني الدار البيضاء، ودرب غلف خصوصا، ويخاطبهم بلغتهم، ويقاسمهم همومهم.. الروايات نفسها تقول أيضا إن طريقته في الحياة، جعلت الكثيرين مدينين له، لأنه ومباشرة بعد حصول المغرب على الاستقلال، كان هو يستفيد من تقدير خاص من الملك الراحل محمد الخامس، وهو ما جعله لا يتردد في طلب التدخل الخاص للملك محمد الخامس لإنصاف المتضررين.
لا يوجد جرد واضح بالعمليات التي كانت تقوم بها مجموعة بنحمو الفاخري ضد الوجود الفرنسي بالدار البيضاء، لكن الروايات التي كان وراءها أناس عاشوا داخل خلايا المقاومة خلال فترة الأربعينات وبداية الخمسينات أشارت في أكثر من مناسبة إلى أن بنحمو الفاخري كان يمثل نواة حقيقية ومصدرا لكل العمليات التي كان يقوم بها شبان منطقة درب غلف.. حتى أن الأمر وصل إلى مسامع الملك محمد الخامس، وهكذا كان قد سمع باسم بنحمو الفاخري لأول مرة، حيث قيل للملك محمد الخامس إن هناك شابا بيضاويا ينحدر من درب غلف، وإنه يتمتع بشعبية كبيرة في ذلك الحي وإنه يتحكم في تحركات خلية نشيطة جدا في الدار البيضاء. كانت هذه المعلومة وحدها كفيلة بتعبيد نصف الطريق أمام بنحمو الفاخري ليصبح مقربا من محمد الخامس، ولزمه الأمر فترة إضافية، نظرا لما عرفته البلاد من أحداث، وهكذا سيكون له لقاء مباشر مع الملك لأول مرة في القصر الملكي بعد عودته من المنفى، وهناك سيصبح بنحمو الفاخري، قد جمع، إلى جانب شعبيته على رأس فريق نجم الشباب البيضاوي، علاقة طيبة مع القصر، من شأنها أن تفتح له الأبواب.
لم يكن يتردد بعض لاعبي الكرة خلال فترات الخمسينات في الاعتراف بأنهم مدينون بما حققوه كرويا لبنحمو الفاخري، لكنهم، بعد 24 يناير 1962، أصبحوا يحسبون ألف حساب قبل نطق اسمه، لأنهم يعلمون جيدا أنه أصبح مغضوبا عليه حتى بعد تنفيذ حكم الإعدام في حقه، بعد أن وجهت إليه تهمة محاولة قلب النظام. وبعد أن كان القرب منه مفخرة، أصبح أمرا يجب الاحتياط من الإفصاح عنه، خصوصا وأن الحديث راج كثيرا عن اعتقالات جماعية في صفوف الذين كانوا يشتغلون في صفوف المقاومة، والذين كان أغلبهم على علاقة بالفاخري وأسماء أخرى كانت تحمل السلاح في الدار البيضاء قبل الاستقلال. كيف تحول هذا الرجل الذي كانت شعبيته كبيرة جدا، بصفته مقاوما سابقا ورئيسا لفريق كروي كان ينافس فريق الجيش الملكي والرجاء والوداد، إلى متآمر على النظام؟

عائلة الفاخري: «لم نتوصل أبدا برفاته بعد إعدامه ولا يزال قبره مجهولا»
يسترجع عبد الفتاح أرسيم، وهو ابن أخت بنحمو الفاخري، صفحات من حياة الرجل الذي صنع مجد العائلة، رغم أن كنية «الفاخري» كانت وحدها سببا في المشاكل في سنوات الستينات والسبعينات أيضا.
يقول أرسيم إن الكثيرين مدينون بحياتهم إلى اليوم، لبنحمو الفاخري، لأنه كان وراء توظيفهم في وظائف مرموقة، مغتنما علاقته القوية مع الملك الراحل محمد الخامس. هذا الأمر أكده أصدقاء الراحل القدامى، الذين تحدثنا إلى بعضهم. وجميعهم أكدوا أن بنحمو الفاخري استغل أول لقاء له بالملك الراحل سنة 1956، وأن اسم «الفاخري» بقي عالقا بذاكرة محمد الخامس، وطلب استدعاءه مرة أخرى إلى القصر الملكي، ليستمع إليه بعد أن وصلته أصداء نزاعات بين أفراد المقاومة في الدار البيضاء بخصوص تسليم أسلحة المقاومة إلى الدولة، وهكذا كان «الفاخري» حاضرا في أكثر من مناسبة، قريبا من الملك محمد الخامس أثناء عمليات تسليم السلاح التي تابعها القصر عن كثب.
يقول أرسيم متحدثا عن خاله بكثير من المرارة، إنه كان يحظى بشعبية كبيرة جدا أزعجت خصومه في الكرة ودبروا طريقة للتخلص منه، خصوصا وأنهم كانوا يحسدونه على علاقته مع الملك محمد الخامس، بحيث لم يكن يرفض له طلبا. «طلبات بنحمو الفاخري كانت اجتماعية دائما. لم يطلب لنفسه شيئا، لكن الملك محمد الخامس كان سخيا معه ومع أصدقائه. أعتقد أن نجاحه اعتبر كبيرا لأنه كان فقيرا، واستطاع تأسيس فريق رياضي جمع فيه شبانا من عائلات فقيرة جدا، ومولهم ووفر لهم كل شيء، وأسس الفريق من ماله الخاص لأنه كان مولعا بكرة القدم، وكرس حياته كلها لإنجاح تجربة نجم الشباب البيضاوي. أما حياته الخاصة فقد كانت مكرسة دائما لخدمة الفريق واللاعبين. لقد كان تاجرا ورجل أعمال ناجح. بداية تألقه كانت منذ لقائه بالملك محمد الخامس واهتمام الأخير به، لأنه رأى فيه ذكاء كبيرا. اليوم أنا أردد دائما أن الكثير من الناس مدينون بحياتهم لبن حمو الفاخري، ونتأسف كثيرا للنهاية الظالمة التي طالته في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد. نحن اليوم لا نعلم أي شيء عن قبره. لم نتوصل أبدا برفاته. لم يكن يستحق أن يُعدم بتلك الطريقة، خصوصا في تلك المرحلة التاريخية الحرجة التي مرت منها البلاد. كان هناك أناس في الدولة وجنرالات أزعجهم وجود بنحمو الفاخري ونجاحه في الحياة، وعطفه على الفقراء، والشعبية الكبيرة التي حازها في درب غلف وفي الدار البيضاء كلها. كان الناس يرون في خالي نموذجا للمغربي الذي انطلق من الصفر ونجح في حياته، فهو لم ينجح فقط في التجارة والمال، وإنما نجح أيضا في تأسيس فريق كرة كانت له شعبية كبيرة جدا.. تفوق التصور. أعتقد أن هذا ما كان يزعج الذين تربصوا به».

هل كان الفاخري مدبرا لأول محاولة انقلابية على الحسن الثاني سنة 1959؟
في نهاية الخمسينات كان بنحمو الفاخري في أوج قوته وفي قمة شعبيته. قربه من القصر جعله يتوسط للكثيرين للحصول على مأذونيات نقل، إلى درجة أن بيته كان مزارا كبيرا لكل الذين كانوا يرغبون في الاستفادة من المأذونيات وبعض المبالغ المالية، خصوصا الأسر القديمة بدرب غلف، والتي كان أفرادها يعانون من الفقر والبطالة ويرون في بنحمو الفاخري نموذجا استطاع أن يحقق النجاح ويربط علاقات نافذة، رغم أنه انطلق من دكان صغير لبيع الفحم. كان فريق نجم الشباب عبارة عن ملجأ كبير لكل الذين كانوا يحلمون باحتراف كرة القدم، ولم تكن لديهم فرصة الالتحاق بفريقي الرجاء أو الوداد البيضاويين، أما فريق الجيش الملكي، فقد كان الوصول إليه بالنسبة إلى هؤلاء اللاعبين الفقراء ضربا من الخيال، لأن رئيس النادي وقتها لم يكن أحدا سوى الملك الحسن الثاني، أيام كان وليا للعهد.
وهكذا كان فريق نجم الشباب البيضاوي، يتمتع بشعبية كبيرة في أوساط لاعبي الدار البيضاء والمدن الأخرى، لأن رئيسه، أي بنحمو الفاخري، مقرب من الملك الراحل، ولديه ماض في المقاومة، ويستقبل في ضيعته يوميا عشرات العائلات والشبان الذين كانوا يلجؤون إليه من أجل المعونة، أو البحث عن وظائف لأبنائهم العاطلين.
نجم الشباب كان فريقا ثوريا لأن رئيسه كان يركز على انطلاقته بحلم الفريق من درب غلف، وهكذا كان لاعبو الفريق يحصدون الانتصار تلو الانتصار، حتى أنهم وجدوا أنفسهم وجها لوجه مع فريق الجيش الملكي، في مراحل متقدمة من المنافسات. بعض المصادر تقول إن الفريقين التقيا في المراحل النهائية من البطولة لسنة 1959، وإن فريق نجم الشباب كان يقترب من الإطاحة بفريق الجيش الملكي الذي كان الحسن الثاني، وهو ولي للعهد، يحضر جميع مبارياته، كرئيس للفريق وليس مشجعا فقط. عندما وصل نجم الشباب إلى هذه المرتبة الوطنية في كرة القدم، كانت هناك أحاديث في المقاهي وفي المجالس الخاصة ومحيط بنحمو الفاخري، أن فريقه أصبح مزعجا، خصوصا وأن بعض الذين كانوا يلعبون في الجيش الملكي، كانوا يرددون دائما أنهم يلعبون في فريق ولي العهد وأن لديهم معارف وعلاقات، حتى أن بعضهم كانوا يشتغلون في وظائف مهمة ويتفرغون للعب لصالح الفريق العسكري.
كان السياق العام في المغرب وقتها متذبذبا، سيما أن الدولة كانت منشغلة بالتأسيس للحياة السياسية في المغرب، وجمع السلاح بشكل نهائي من الشوارع.
ما لا يفهمه أصدقاء بنحمو الفاخري أنه لم يكن من معسكر الذين رفضوا تسليم السلاح إلى الدولة، لكن المشكل كان نابعا من النجاح الكبير الذي حققه، والذي كان مصدر إزعاج للكثيرين من محيط القصر، وعلى رأسهم الجنرالات والكولونيلات الذين كانت بعض أوساط المقاومة تصفهم بالخونة والمرتزقة، حتى بعد حصول المغرب على الاستقلال. وبنحمو الفاخري لم يكن من الذين يجالسون علية القوم في الفنادق المصنفة، بقدر ما كان وفيا لأصدقائه القدامى وضيوفه من المولوعين بكرة القدم. لكنه وجد نفسه سنة 1959 مطلوبا بتهمة التآمر على قلب النظام. عائلة بنحمو الفاخري تحكي كيف أنه فوجئ بوشاية مجهولة لدى الأمن، يتهم فيها صاحبها بنحمو الفاخري بالتخطيط لقتل الحسن الثاني، وهو وقتها ولي للعهد، أياما قليلة على مرور مباراة حاسمة بين فريقي نجم الشباب البيضاوي والجيش الملكي، الذي كان لاعبوه على قدر كبير من اللياقة البدنية، متمتعين بالمكانة الاعتبارية الكبيرة التي كان مصدرها الانضمام إلى فريق يخصص له ولي العهد أغلب وقته في التخطيط للمباريات واستقدام اللاعبين والتداريب أيضا.
ربما كان بنحمو الفاخري قد قال كلاما مزعجا في غمرة حماسه الكروي في الملعب، وهذا أمر أكده الكثيرون ممن يحتفظون لبنحمو الفاخري بذكريات مع فريق نجم الشباب البيضاوي، وأضافوا أن غضبه في المباراة الحاسمة التي كان الحسن الثاني حاضرا فيها، وقريبا من اللاعبين على أرضية الملعب، لم يرق لمحيط ولي العهد، خصوصا مديرية الأمن الوطني التي كان أفرادها حاضرين، ومن بينهم أناس كانوا في صفوف المقاومة ولديهم حسابات قديمة مع بنحمو الفاخري. حسب المصادر المتوفرة، ممن تحدثنا إليهم بخصوص حياة بنحمو الفاخري، فإن محيط الفريق المنافس استغل الفرصة لضرب رئيس نجم الشباب، خصوصا أنه بالغ في ردة فعله فوق أرضية الملعب وتحمس لفريقه ولم يقدر ربما وجود ولي العهد على بُعد أمتار منه.. هذه «الزلة» التي لم يكن محيط ولي العهد ليهضمها، شكلت فرصة لضرب الفاخري، وهكذا دبرت الشكاية التي ظل صاحبها مجهولا حتى بعد محاولات أصدقاء الفاخري الوصول إلى هوية الشخص الذي تقدم إلى مصالح الأمن ذات ليلة من دجنبر 1959، وقال إنه يريد التبليغ عن مخطط خطير يقف وراءه بنحمو الفاخري، يستهدف به حياة ولي العهد، وانصرف صاحب الشكاية، ولم يتم الإفصاح عن هويته حتى في محاكمة بنحمو الفاخري وصدور الحكم عليه بالإعدام.
حتى لا نستبق الأحداث، فإن بنحمو الفاخري كان قد علم بالمكيدة، حسب ما روته عائلته لـ«الأخبار» وهم يستحضرون تفاصيل حياة رمز الأسرة، بفضل علاقاته الواسعة مع مسؤولين وموظفين في الأمن والدرك. هؤلاء، بحكم أنهم كانوا مدينين له بالوظائف التي يشغلونها لأنه توسط لهم لدى الملك محمد الخامس، ليصيروا رجال أمن ودركيين، أخبروه بأن هناك تهمة ثقيلة جدا في طريقها إليه، ليختفي تماما عن الأنظار لأشهر طويلة، لكن اختفاءه لم يكن ليستمر دائما. وتتحدث بعض المصادر أن ثقته العمياء في أصدقائه المقربين، هي التي أوصلت الأمن إلى مخبئه، ليتم اعتقاله والحكم عليه بالإعدام رميا بالرصاص في يناير 1962.

الفاخري خطط للهروب من المغرب والوشاية عجلت بتنفيذ الإعدام
حسب المعلومات المتوفرة عن نهاية بنحمو الفاخري، فإن الحياة توقفت بالنسبة إليه في سنة 1960، عندما كان مختفيا تماما عن الأنظار، ويرى من بعيد كيف أن الأجهزة السرية كانت تمشط الدار البيضاء ومحيطها، بما في ذلك الضيعات الفلاحية والمناطق الصناعية، بحثا عن بنحمو الفاخري وثلاثة من أصدقائه المخلصين له.
في تلك الفترة كان بنحمو الفاخري محتاطا جدا، لكن ذلك لم يمنعه من متابعة الفريق وتسييره من بعيد، بالرغم من أنه كان مختفيا. يروي ابن أخت بنحمو الفاخري كيف أن أصدقاء الراحل كانوا يروون للعائلة شغفه الكبير بفريق نجم الشباب البيضاوي، بحيث لم تمنعه المخاطر التي كانت تحيط به من إرسال تعليماته إلى إدارة الفريق، بالرغم من الأجهزة السرية كانت تراقب كل شيء، إلا أن الفاخري كان يرسل تعليماته شفهيا مع أناس يثق بهم، ليخبروا إدارة النادي بما يجب اتخاذه في المباريات، بل حتى مسألة تمويل الفريق ماديا لم تنقطع في الفترة التي كان فيها مختبئا عن أنظار الأمن.
العائلة تعرضت لمضايقات كثيرة بحثا عن الفاخري، حيث كانت الأجهزة السرية دائما تداهم بيته، وتضايق زوجته وتضغط عليها نفسيا للإفصاح عن مكان وجود بن حمو الفاخري وأصدقائه المختبئين معه، وكانوا يهددون أمه وأخته وأبناءها، بحيث كانت المداهمات تتم في درب غلف، والإقامات الجديدة التي كان بنحمو الفاخري يعيش متنقلا بينها وبين الضيعات الفلاحية، بالإضافة إلى السكن الذي اقتناه لأخته في منطقة «العنق» بالدار البيضاء دائما.
حسب عائلة الفاخري، فإن ابن أخته أكد للجريدة أن بنحمو كان يفكر جديا في مغادرة المغرب نحو فرنسا، خصوصا عندما كان يظن أن التهمة التي وجهت إليه ستسقط مع مرور الوقت، وهكذا أخبر أحد أصدقائه وكان يدعى «القدميري»، أنه يفكر في مغادرة المغرب نحو فرنسا، بحيث سيوهم المصالح الإدارية في المغرب أنه سيتوجه إلى فرنسا للعلاج، وفور وصوله إلى فرنسا سيعمل على ألا يعود أبدا إلى المغرب، إلا بعد أن تسقط عنه هذه التهمة الثقيلة. هذه المعلومة بدا أنها لم تبق حبيسة صدر صديق بنحمو الفاخري، وخرجت إلى دائرة أوسع لتصل إلى آذان الأجهزة السرية، وهو ما عجّل بالإجهاز عليه وتصفيته، بعد محاكمة عاجلة صدر إثرها فور اعتقاله بأسابيع حكم بالإعدام رميا بالرصاص، نُفذ أياما قليلة بعد إصداره. وهكذا شاع خبر إعدام بنحمو الفاخري، وهوى فريق نجم الشباب البيضاوي، فيما أصبحت عائلته منبوذة، يتجنب أصدقاء الأمس طرق بابها حتى لا يُصنفوا في خانة المغضوب عليهم، باستثناء وفاء بعض الأصدقاء الذين وقفوا إلى جانب العائلة في أحلك السنوات التي تلت تنفيذ حكم الإعدام.

لماذا تم الإسراع بتنفيذ الإعدام في حق بنحمو وأصدقائه؟

الذين دبروا قضية التهمة لبنحمو الفاخري، نقول «دبروا» لأنه وبعد كل هذه السنوات لم يثبت رسميا أنه كان متورطا فعلا في تهمة كبيرة كتهديد حياة ولي العهد. وأيضا لأن السياق العام في المغرب كان متذبذبا، وأيضا لأن التاريخ كشف أن السنوات التي تلت إعدام الفاخري شهدت توزيع نفس التهمة على معارضين سياسيين، أبرزهم محمد الفقيه البصري وآخرين..
تقول عائلة بنحمو الفاخري إنه كان ليلقى نفس مصير محمد الفقيه البصري، لو أنه فر خارج المغرب، لكنه لم يبادر إلى الهرب، وهذا هو الغلط الذي ارتكبه في الفترة التي كان مختبئا فيها، لأنه كان يستطيع على الأقل الفرار إلى الجزائر ومنها إلى دول عربية أخرى، خصوصا وأن العائلة تؤكد اليوم لـ«الأخبار» أن بنحمو تلقى عروضا للهروب بنفس الطريقة التي هرب بها مقاومون قدماء، من بينهم أصدقاؤه، إلى الجزائر ومنها إلى مصر وسوريا أيضا، ووجهت إليهم بدورهم تهمة التآمر على النظام ومحاولة الإطاحة بالملك الحسن الثاني، وصدرت ضدهم أحكام بالإعدام، ليتم إسقاطها بأمر من الملك شخصيا أواسط الستينات.
لماذا لم يكن إذن بنحمو الفاخري قصة شبيهة بقصص أصدقائه، خصوصا أن هناك تطابقا في التهمة وفي الماضي المسلح، بل وتطابقا مدهشا في كيفية صياغة الاتهام؟ فحتى بعد إعدام بنحمو الفاخري، لم يتم التطرق أبدا إلى الشهادة التي تم بناء التهمة عليها، والتي ظلت باسم مجهول، لم يتم التأكد أبدا من صحة المعلومات التي أدلى بها.
يقال، والعهدة على حراس الرواية التاريخية، إن إعدام بنحمو الفاخري كان أمرا ضروريا لأنه كان ليفكر في الانتقام من الذين تدبروا له أمر التهمة في حال تم إسقاطها عنه.
من ناحية أخرى، كان بنحمو متابعا منذ أواخر أيام الملك محمد الخامس، ومباشرة بعد موته، لم يعد له وزن في محيط القصر، لأن المكانة الخاصة التي أولاها له الملك محمد الخامس انتفت بموته، لتأتي أسماء أخرى إلى المحيط الجديد. هذه الأمور تحكمت في رسم نهاية بنحمو الفاخري، خصوصا وأنه كان مختلفا عن المقاومين الآخرين، لأنه كان على رأس فريق كرة يتمتع بشعبية كبيرة في الدار البيضاء، ولديه أنصار كثيرون قد يحولونه إلى معارض سياسي كبير، على الرغم من أنه كان بعيدا تماما عن السياسة.

هكذا كانت الحياة الخاصة لـ«الفاخري».. أب للاعبين ومدين لزوجته

كانت حياة بنحمو الفاخري تختلف كثيرا عن حياة المحيطين به. فقد كان يسافر خارج المغرب بانتظام رفقة زوجته عائشة، والتي توفيت بعده بمدة قصيرة حزنا على نهايته المأساوية وغير المتوقعة.
لقاءات مستمرة بين الفاخري رجل الأعمال، والراغبين في الاستثمار معه في مجال العقار. كلهم ربما سمعوا عن علاقته الوطيدة مع الملك الراحل محمد الخامس، وسمعوا عن نفوذه الكبير بصفته رئيسا ومالكا لناد رياضي كبير له مكانته بين الفرق الوطنية المشهورة. كل هذا ينتهي بمجرد خروج بنحمو من تلك الاجتماعات، ليعود إلى درب غلف، مصدر شعبيته الكبيرة. يقال إنه كان يلتقي اللاعبين بشكل دائم، ويعرف أمهات الكثيرين منهم، ويتولى شخصيا مصاريف علاج المرضى منهم. كان بعض لاعبي فريقه، مطمئنين للعب لصالح نجم الشباب لأن رئيس الفريق، بنحمو الفاخري، كان يتكلف بمصاريف علاج أمهاتهم وآبائهم، بل هناك من كان الفاخري يتكلف بمصاريف تعليم إخوته وحتى فاتورة الكهرباء.
كانوا ينظرون إليه بكثير من الإعجاب، خاصة أن نجاح فريقه وصل ذروته خلال نهاية الخمسينات، وبدأ «الفاخري» يلتقي بلاعبي فريقي الرجاء والوداد، وكانت لديه القدرة على تقديم عروض أفضل لأولئك اللاعبين حتى ينضموا إلى فريق نجم الشباب، حتى أن بعض قدماء اللاعبين تحدثوا في ما بعد لعائلة الفاخري، عن أنهم مدينون له بحياتهم وأنه كان بمثابة أب حقيقي لهم، لأنه أنقذهم من الفقر أيام الأزمة، وألحقهم بالفريق ورووا كيف أنهم تشردوا بعد إعدامه.
زوجة الفاخري، وتدعى عائشة، كانت ضحية النهاية المأساوية لبنحمو الفاخري، يروي ابن أخته لـ«الأخبار»: «كانت زوجته رحمها الله منحدرة من أسرة مقاومة. كنت طفلا صغيرا وقتها، وكنت أرى كيف أنها كانت تشارك خالي في حياته، وكيف أن شخصيتها كانت قوية جدا. روت لي والدتي لأنها عاصرتها أكثر مني، كيف أنها كانت تشتغل مع المقاومة، وأنها كانت تهرب السلاح للمقاومين خلال الأربعينات والخمسينات، وكانت تغامر بحياتها في أحايين كثيرة، ولذلك كان يقدرها بنحمو الفاخري وتزوجها وهو في ريعان شبابه وعاشت معه تطور أعماله وفريق كرة القدم وكانت ترى دائما كيف أنه كان يكرس حياته لخدمة أبناء درب غلف، وهذا سر الشعبية الكبيرة التي كان يتمتع بها إلى آخر يوم في حياته. صدمتها كانت كبيرة لأنها لم تتوقع أن ينتهي بتلك الطريقة المهينة. ولأنها زوجته كانت ترغب على الأقل في رؤيته، لكنها منعت من هذا الحق، ولم تتمكن من تسلم جثمانه بعد تنفيذ الإعدام، ولم يكشف لها أحد عن مكان وجود القبر حتى نزوره كعائلة. هذه الأمور كلها جعلت حياتها تنقلب وتدخل في اكتئاب حاد جدا عجل بوفاتها مدة قصيرة بعد رحيله».
تروي العائلة كيف أن عائشة كانت مرافقة دائمة لبنحمو الفاخري طيلة حياته، داخل المغرب وخارجه، وكيف أنها كانت علبة أسرار حقيقية له، ورغم أنه كان يعيش في مستوى اجتماعي متقدم جدا مقارنة ببقية المغاربة البسطاء، إلا أنها لم تتذمر يوما من علاقاته الكثيرة بالفقراء، ولم تكن تتضايق من كثرة الوافدين على ضيعته، أو إقاماته الخاصة في الدار البيضاء والجديدة، طلبا للمساعدات، أو للإعداد لمباريات الفريق.



الثلاثاء، 1 ديسمبر 2020

أحمد رضا اجديرة "رجل فرنسا الأول"الصديق القوي لولي العهد الحسن

 أحمد رضا اجديرة

أحمد رضا كديرة (22 يونيو 1922، الرباط - 14 ديسمبر 1995م، باريس) سياسي مغربي ومستشار الملك الحسن الثاني، تقلد عدة مناصب وزارية.

ولد أحمد كديرة سنة 1922، وكان والده بقالا بالرباط، ونشأ في وقت كان فيه المغرب يعيش تحت سلطة الحماية الفرنسية. أضاف 'رضا' إلى اسمه تأثرا بالمفكر محمد رشيد رضا، ونجح بعد صعوبة بالغة في امتحانات الباكالوريا، بسبب اهتمامه بكرة السلة من خلال فريق محلي، وكانت شهادة البكالوريا من جعلته يقطع علاقته بالرياضة، فدرس سنتين في معهد الدراسات العليا المغربية بالرباط، وانتقل إلى فرنسا ليحصل هناك على شهادة الإجازة، وليلتقي كذلك بزوجته الفرنسية الذي أثرّت على اهتمامه الكبير بالثقافة الفرنسية، وقد قرّر مغادرة الحي الجامعي بباريس بعد خلافات بينه وبين الطلبة الاستقلاليين أمثال محمد الدويري.

كان يؤيد فكرة خروج فرنسا سياسيا من المغرب، وبفضل علاقته مع محمد رشيد ملين، دخل اكديرة إلى المحيط الملكي، بعد تأسيسه لحزب الأحرار المستقلين سنة 1937 وضم اكديرة إليه. عانى هذا الحزب من تضييق واسع من السلطات الفرنسية، كباقي الأحزاب المغربية. وبعد عودته من فرنسا فتح مكتب محاماة بزنقة 18 يونيو بالرباط، كانت أوّل قضية يُرافع فيها هي الدفاع عن صديقه رشيد ملين أمام سلطات الحماية سنة 1952م في وقت وصلت فيه العلاقة بين فرنسا والحركة الوطنية درجة بالغة من التشنج. اختلف اكديرة مع زعماء الاستقلال، بسبب صداقته القوية بولي العهد مولاي الحسن ، هذا الأخير أحب فيه إخلاصه للملكية ومعرفته الواسعة بالثقافة الفرنسية، وكذلك مطالبته بوقف المقاومة المسلحة بعد عودة محمد الخامس، فبالنسبة لاكديرة، عودة الملك إلى شعبه تساوي الاستقلال ولا حاجة للمغرب بجيش التحرير بعد ذلك حسب المؤرخ عبد الرحيم الورديغي.

سنة 1955 كان ضمن الوفد المغربي في مفاوضات إيكس ليبان بقيادة مولاي الحسن. في 7 ديسمبر 1955، أثناء تشكيل الحكومة المغربية الأولى، حكومة البكاي بن مبارك الأولى، عين وزيرا للدولة للتفاوض مع الحكومة الفرنسية والإسبانية على استقلال المغرب إلى جانب ثلاثة وزراء دولة آخرين وهم عبد الرحيم بوعبيد محمد الشرقاوي وإدريس المحمدي.

استطاع الضغط على الحركة الوطنية وإخضاع جيش التحرير، وهو ما أدخله في حرب ضروس مع قيادة حزب الاستقلال، الذي كان يريد إبقاء جيش التحرير مستقلا عن أي مؤسسة. حصلت وزارة اكديرة على مساعدة مالية من فرنسا لإنشاء القوات المسلحة الملكية، واستنجد بإطارات فرنسية خبيرة لإنهاء هيمنة جيش التحرير، الذين لم يجدوا حرجا في نعته ب"رجل فرنسا الأول".

وفي حكومة بلافريج، تم تعيينه وزيرا للإعلام. كصديق لولي العهد مولاي الحسن، استطاع لعب دورا كبير في تأسيس جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية الذي اشتهر باسم «الفيديك» FDIC، والذي أسسه في 20 مارس 1963 أثناء سفر الحسن الثاني للولايات المتحدة الأمريكية، حيث عقد أحمد رضا كديرة، المدير العام للديوان الملكي، ندوة صحفية موضحا فيها أن الغاية من تأسيس هذه الجبهة هي تجنيد جميع قوى البلاد وراء الملك وصيانة الدستور وإحداث ديمقراطية حقيقة وحماية القيم والمثل العليا التي أقرها الشعب من خلال الدستور. الأمر الذي سمح لأحزاب الحركة الشعبية وحزب الشورى، ليجعل منها مكونات سياسية في صف القصر، تقف ضد الاشتراكيين. وكان الفيديك يجسد نخبة تكنوقراطية تمثل المشروع الاستعماري الموؤود، التي وصفها المفكر محمد عابد الجابري ب " القوة الثالثة".

وفي عهد حكومة عبد الله إبراهيم، كان أحمد رضا اكديرة قد تحول إلى ديوان الأمير مولاي الحسن ما بين 1958 و1959. واستطاع اكديرة اسقاطها من خلال تأسيس جريدة ليفار. اعتبر إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم اجهازا على آخر قلاع مقاومة مشروع القوة الثالثة، فقد تم تجنيد العناصر الليبرالية، و على رأسها أحمد رضا كديرة، الذي أشار إلى ضرورة الإبقاء على الملكية التنفيذية وتمكين الحسن الثاني من جميع السلطات. وسيعترف اكيدرة لاحقا سنة 1985 أنه تم تشكيل، برئاسة ولي العهد الحسن الثاني وعضوية آخرين، حكومة موازية للحكومة القائمة آنذاك، كان هدفها الأساسي هو إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم. اعتبر اكديرة كل الأحزاب السياسية لا تتكون إلا على أساس المصلحة والطمع في الحكم، وهي دكتاتورية أكثر ما هي ديمقراطية، معتقدا أن الملكية وجبت أن تسود مغربيا متخلفا وغير قار، وحمل مشروعه الليبرالي فكرة تقوية العلاقات مع فرنسا وأمريكا ضد النخبة الوطنية آنذاك التي كانت في غالبيتها محافظة أو اشتراكية.

في 14 فبراير 1960 شنت السلطات حملة اعتقالات في صفوف قادة المقاومة وجيش التحرير بتهمة التآمر لاغتيال ولي العهد، وكان مصدر هذا الاتهام هو مقالات جريدة لي فار، التابعة لكديرة، قدم محمد بلعربي العلوي استقالته من وزارة التاج احتجاجا على هذه الاعتقالات، وتم أرشفة القضية لانعدام الأدلة والشهود.



أوفقير الجنرال السفاك والجلاد والمحبّ للدم...

كل شيء عن ما وقع ويقع في المغرب من انتهاكات حقوق الانسان: أوفقير الجنرال السفاك والجلاد والمحبّ للدم...: محمد أوفقير الوجه الآخر للجنرال الدموي الذي سكنته رغبة إقامة نظام عسك...


الجلاد الدليمي...القاتل المقتول

كل شيء عن ما وقع ويقع في المغرب من انتهاكات حقوق الانسان: الجلاد الدليمي...القاتل المقتول: اليوم الاخير في حياة قاتل الشهيد المهدي بنبركة ....................... ابن أخ الجنرال الدليمي يتهم مسؤولين بتصفية عمه فؤاد مدني*: ...


محاولة اغتيال ولي العهد الحسن التي سرعت بإسقاط حكومة عبد الله إبراهيم

 محاولة اغتيال ولي العهد  الحسن التي سرعت بإسقاط حكومة عبد الله إبراهيم

محمد الخامس يصدر عفوه عن المتهمين من أجل التخفيف من الاحتقان
نشر في المساء يوم 31 - 07 - 2013

ظل عبد الله إبراهيم يدرك بأنه لا يملك كل السلطات التي يفترض أن تكون تحت إمرته بالنظر إلى التركيبة التي تضمها هذه الحكومة، و
التي كانت موزعة بين ثلاثي مناضلي يسار حزب الاستقلال، وبعض المستقلين. فيما الضلع الثالث كان يضم وزراء يدينون بالولاء لولي العهد الأمير مولاي الحسن، وفي مقدمتهم وزير البريد الجنرال محمد المدبوح، ووزير الداخلية المحمدي. وكان واضحا أن قوات الأمن والجيش توجد تحت مسؤولية الأمير. لذلك وجد عبد الله إبراهيم نفسه في وضع حرج حينما تجرأ مدير الأمن الوطني على اعتقال كل من عبدالرحمان اليوسفي، والفقيه البصري، وهما يشرفان على جريدة التحرير، بتهمة المس بالمقدسات في شهر دجنبر 1959.
ومباشرة بعد مرور شهر أقدم البوليس هذه المرة على اعتقال مجموعة معروفة من المقاومين. والتهمة هذه المرة هي محاولة اغتيال ولي العهد الأمير مولاي الحسن.
لقد نشرت «ليفار»، وهي جريدة أحمد رضا اكديرة، بعناوين بارزة ما اعتبرته تفاصيل اغتيال ولي العهد. وجند لها اكديرة، مدير ديوان ولي العهد، حملة إعلامية كبيرة، مما عرض المقاومين لتعذيب شديد.
لم يكن المتهم الرئيسي لهذه العملية غير بنحمو الفاخري، الذي كان يرأس فريق نجم الشباب البيضاوي لكرة القدم، حيث تحدث البعض عن أن العملية كانت ستتم ب»سطاد فيليب» بقلب الدار البيضاء حيث كان ولي العهد يحضر مباريات فريقه المفضل الوداد الرياضي، قبل أن يؤسس بعد ذلك فريق الجيش الملكي.
وخلال عملية الاستنطاق، التي شملت عددا كبيرا من المقاومين، كان ولي العهد يقترح على مدير الأمن إضافة مقاومين آخرين لانتزاع الاعترافات منهم عن طريق التعذيب.
كان لا بد لهذه الحملة من الاعتقالات أن تثير الاستنكار لأنها بنيت على شهادة شهود لم يتأكد المحققون في أمرها. وكانت أولى الخطوات هي أن قدم محمد بلعربي العلوي استقالته من مجلس العرش، الذي كان عضوا به، إلى الملك محمد الخامس، احتجاجا على اعتقال مقاومين كان لهم الفضل في الاستقلال وإعادة الملك إلى عرشه. كما وقعت ردود فعل قوية من لدن ساكنة كل من مراكش ونواحيها وبني ملال. كما وقعت عدة اغتيالات للأعوان والبوليس، الذين أشرفوا على تعذيب المقاومين.
غير أن الملك محمد الخامس، الذي فهم خلفيات العملية وأدرك أن مقربين من الأمير مولاي الحسن هم من حرك هذه القضية فقط لضرب حكومة عبد الله إبراهيم والتشويش عليها، سيصدر قرارا بالعفو على هؤلاء المعتقلين من أجل التخفيف من الاحتقان، الذي خلفته هذه الحملة في نفوس شرائح مهمة من المقاومين، على الرغم من أن أصداءها لم تنقطع، بل مست مركز الثقة بين الملك والمقاومين.
كان دور الجنرال المدبوح قويا في هذه العملية بالنظر إلى مهمته كوزير للبريد يقال إنه توصل بالمعطيات التي تدين المتهمين في محاولة اغتيال الأمير، عن طريق التنصت على المكالمات الهاتفية بين المعنيين بالقضية.
لقد كان للمدبوح في حكومة عبد الله إبراهيم وضع خاص يستمد قوته من قوة الأمير مولاي الحسن. فقد كانت التقاليد تفرض لدى دعوة الوزراء إلى القصر الملكي لأداء اليمين أن يطلب منهم ارتداء بذلة قاتمة وطربوشا حمراء، في الوقت الذي كان الملك محمد الخامس يرتدي الجلباب التقليدي. غير أن وزراء آخرين من أمثال محمد الفاسي، والمختار السوسي، والحاج محمد باحنيني، ظلوا يحافظون على الجلابيب والبرانس. وحده الجنرال محمد المذبوح حافظ على زيه العسكري باعتباره أول عسكري يتقلد منصبا وزاريا في غير إدارة الدفاع، وهي وزارة البريد والتلغراف والتليفون.
وقد جاء تعيين المذبوح في الوزارة بعد أن شغلها قبله اليهودي الدكتور بن زاكين، المتحدر من أصول مغربية، ثم الوزير محمد عواد، الذي سيصبح مستشارا للحسن الثاني في ظرفية دقيقة. وقد كان المذبوح العسكري الوحيد الذي شغل منصبا مدنيا في حكومة عبد الله إبراهيم، التي انتقلت فيها وزارة الدفاع إلى محمد عواد. وقد عرف عن المذبوح، آنذاك، أنه يرتبط بعلاقات مع كل الأطراف، وإن كان أقرب إلى محيط القصر قبل أن تخامره نوايا الانقلاب ضده، كما سيحدث في الصخيرات في 1971.
كان وجود المذبوح في تلك الحكومة مثار تساؤلات، إلا أن الأهميةالتي كانت تعطى لقطاع البريد في تلك الفترة جعلت كافة الشركاء يقبلون بوجوده. غير أنه قبل الإطاحة بتلك الحكومة، التي كان يروق للملك الحسن الثاني أن يصفها بأول تجربة تناوب لم تكتمل، سيتم الإعلان في فبراير من سنة 1960 عن إحباط محاولة الاغتيال التي كانت تهدف شخص ولي العهد الأمير مولاي.
لعب الجنرال محمد المذبوح دورا أساسيا في الإعلان عن كشف تلك المحاولة، لدرجة أن ولي العهد كان مقتنعا بكل التفاصيل التي توصل إليها، والمعلومات التي توفرت لديه من طرف الجنرال المذبوح، أنه كان مستهدفا. وقد أوعز في تلك المرحلة إلى الدكتور عبد الكريم الخطيب، الذي كانت له علاقات مع شخصيات في المشرق العربي، تتبع خيوط تلك المحاولة، التي كشف عن بعض تفاصيلها رجل من الشرق الأوسط مقابل مبالغ مالية.
وقد أفادت بعض المعلومات التي توفرت للمحققين أن المتهمين كانوا يتوفرون على خرائط تبين تحركات استهدفت القصر الملكي في داخله، مما أغضب الأمير مولاي الحسن. لذلك سيلعب الجنرال المذبوح مباشرة بعد هذه القضية، دور أرنب سباق للإطاحة بحكومة عبد الله إبراهيم، حينما جاء ينتقد الظروف التي يتم فيها العمل داخل الحكومة، قبل أن يضع استقالته رهن إشارة الملك الراحل محمد الخامس.
وجد الأمير بعد أن خلا له الجو الفرصة الذهبية لفتح سيرة جيش التحرير، حيث اتهم حكومة عبد الله إبراهيم بمحاولة السطو عليه وجعله في خدمة الحزب وليس في خدمة الدولة. لذلك سيستثمر خصوم حكومة عبد الله إبراهيم قضية وفاة المسعدي وربط ذلك بالمهدي بنبركة، ليصفي الأمير حسابا قديما مع أستاذه في الرياضيات.
وفي كتابه ذاكرة ملك» سيخصص الحسن الثاني ثلاث صفحات كاملة لهذه القضية. وهو ما يبرز الأهمية التي ظل يوليها لهذا الموضوع. ويحكي الحسن الثاني، كيف أنه ربطته علاقة صداقة بشخص اسمه الحجاج الذي اعترف له بأنه قتل المسعدي بأمر من المهدي بنبركة. غير أن هذه الاتهامات، التي يؤكدها عبد الكريم الخطيب، أحد رجال المقاومة البارزين، وأحدالمخلصين للحسن الثاني، يرفضها رفضا قاطعا وبشدة محمد عواد، الذي كان لمدة خمس عشرة سنة كاتبا خاصا للمهدي بنبركة، وموثق حزب الاستقلال قبل الانشقاق. ويضيف عواد، حسب ما كتبه واتربوري، أن بنبركة ظل يندد بكل الاغتيالات ويأسف لها كثيرا، قبل أن يضيف على لسان عواد أن الفقيه البصري الذي كان يحظى باحترام المهدي، هو من يكون قد قام بتصفية المساعدي. أما خلفية كل هذا فهو أن المهدي بن بركة اتهم بأنه كان يرغب في أن يحتفظ جيش التحرير باستقلاليته وبهياكله، وألا يلتحق ب»جيش الملك». لذلك كان لا بد أن يتحرك الأمير لاستغلال هذا الوضع ويدفع بأبيه لإقالة حكومة اليسار، كما ظل يسميها.


النظام المغربي كان مساهما في عملية إيكوفيون

العملية العسكرية الاستعمارية إيكوفيون .

كان التفكير في العملية العسكرية الاستعمارية إيكوفيون منذ بداية سنة 1957، وهي عملية استهدفت بالأساس تصفية عناصر جيش التحرير بالجنوب وهم الذين تمركزوا بالصحراء التي كانت تحت السيطرة الإسبانية.
إن حدة المقاومة وكفاح عناصر جيش التحرير بالجنوب أدى بإسبانيا وفرنسا إلى التفكير بجدية في كيفية القضاء على تلك المقاومة التي كانت سائرة نحو التجذر وسط الجماهير ولذلك كان تنفيذ عملية إيكوفيون سنة 1958، وإذا كانت هذه العملية العسكرية تطلبت اتحاد قوتين استعماريتين مع استعمال سلاحهما الجوي، فهذا يعني أن جيش التحرير بالجنوب كان قد عزم على المضي في الكفاح لتحرير الأرض. كما أنه يعني كذلك أن المعركة كانت ضارية وأن فرنسا وإسبانيا أقلقهما الأمر إلى حد توحيد الجهود للتصدي له.
فبعد الإحباط الذي امتلك أعضاء جيش التحرير الأوفياء للشعب عندما لاحظوا أن الاستقلال المعلن عنه استقلالا منقوصا ومبثورا ولم يشمل كل الأجزاء المحتلة قرروا الاستمرار في الجهاد والكفاح ورفضوا التخلي عن سلاحهم، ولذلك اتجهوا إلى الجنوب. وبالتالي فإن عملية إيكوفيون استهدفت بالأساس عناصر جيش التحرير الذين رفضوا التخلي عن السلاح والالتحاق بالجيش الملكي والاندماج فيه. وهنا تكمن نقطة الالتقاء بين فرنسا وإسبانيا والنظام المغربي.
إذن إن عملية إيكوفيون عملية فرنسية إسبانية مع تسهيلات منحها القائمون على المغرب لاستعمال طريق تندوف والتراب المغربي من طرف الجيوش الفرنسية وكان هذا في غضون شهر فبراير 1958.
آنذاك انطلقت العملية وارتكزت على التمشيط المنهجي قصد تطويق جيش تحرير الجنوب المكون من صحراويين وأعضاء جيش التحرير الآتين من الشمال والوسط ومن ضمن هؤلاء محمد ولد حمانة ولد الديوهي والد محمد علي بيبا (الوزير الأول السابق للبوليساريو) وسالك ولد عبدالصمد والد محمد سالم ولد السالك (وزير سابق للبوليساريو) وحدة والد سيد أحمد (مسؤول في البوليساريو) والصديق ولد البشير والد بوفتاح ماء العينين الصديق (وزير الخارجية بالبوليساريو) ومولاي أحمد ليلي والد محمد لمين (مستشار محمد عبد العزيز) والشيخ ماء العنين لاراباس والشريف الدليمي (عامل بوزارة الداخلية و والد الدليمي غيلاني الذي عين مؤخرا سفيرا في إحدى الدول الإفريقية) والزروالي بريكة عم زكريا جمال (ممثل البوليساريو بألمانيا) وحسنا الدوية عم محفوظ علي بدية (الوزير الأول بالبوليساريو) وامحمد عمر ولد امبارك والد عمر منصور (ممثل البوليساريو بمدريد). وبسبب هذه العملية القمعية الهادفة لتصفية المقاومين، اضطر أكثر من 40 ألف صحراوي للهجرة نحو طانطان وكلميم. وهي العملية التي شاركت فيها وحدة المظليين الفرنسية المرابطة بالمستعمرات وهي نفس الوحدة المساهمة في "ديين بين فو" معركة معروفة خلال حرب الفيتنام في أبريل 1954. وشارك فيها 14 ألف جندي و 130 طائرة حربية، وأسفرت على ما يناهز 15 ألف ضحية من شهيد وجريح ومغادر لأرضه رغما عنه.
وعموما كانت عملية إيكوفيون في وقت انطلقت فيه تحركات وانتفاضات سنة 1957 في الريف، وفي وقت تطورت فيه حرب العصابات بالجنوب والتي أجبرت الإسبانيين على التراجع إلى مواقع ساحلية كما أرغمتهم على مغادرة السمارة. ولابد في هذا الصدد، وفي إطار الموضوعية التاريخية الإشارة إلى افتعال تنظيم مؤتمر لجيش التحرير بالجنوب بمدينة إنزكان لتدارس الوضع وفعلا حضر الكثير من أعضاء جيش التحرير إلى عين المكان إلا أنهم فوجئوا بحضور فيلق من الجيش الملكي تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة الملكية (ولي العهد آنذاك) والذي أرغمهم على التخلي عن أسلحتهم. و حسب أكثر من مصدر، تمكن المقاوم سعيد بونعيلات من الفرار وقصد الرباط بنية اغتيال الملك.
وقد تساءل الكثيرون عن سر تغييب هذه الحادثة وباستمرار عند دراسة تاريخ المغرب المعاصر أو الحديث عنه ولم يذكرها إلا القليلين جدا ومن بينهم أبراهام السرفاتي الذي اعتبر أن النظام كان مساهما في عملية إيكوفيون
عن مدونة


https://siyasa7.skyrock.com/